تفسير سورة الاعلي الجزء التاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير سورة الاعلي الجزء التاني

مُساهمة من طرف أبوأنس في الإثنين يونيو 01, 2009 4:37 pm

أخبر الله -جل وعلا- في هذه الآية نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه سيقرئه القرآن، ويجعله محفوظا عنده، إلا ما شاء الله -جل وعلا- أن ينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فإنه ينساه، وهذا لا يعارض قول الله -جل وعلا- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ كما لا يعارض قوله -جل وعلا- إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ وإنما لم يعارض هذا؛ لأن ما ينساه النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون الله -جل وعلا- قد أراد نسخه، والله -جل وعلا- له الحكمة في ذلك، فينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليكون أمرا منسوخا.

ويبدله الله -جل وعلا- بمثله، أو خير منه، كما قال -تعالى-: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .

وإما أن ينسه الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- شيئا من هذا القرآن، فيذكر به، وييسر الله -جل وعلا- أسباب ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقرأ آية، فقال: رحم الله أخي، كنت قد أنسيتها وهذا الحديث، حديث في الصحيحين، وفي معناه كلام للعلماء، ولكن إذا أخذ بظاهره كما هو ظاهر الآية، فإن الله -جل وعلا- ييسر لنبيه -صلى الله عليه وسلم- سببا إذا أراد الله -جل وعلا- بقاء هذا القرآن وحفظه من النسخ وأما إذا أراد ن ينسخه، فإنه -سبحانه وتعالى- ينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- وله -جل وعلا- في ذلك الحكمة البالغة، فلا يعارض ذلك قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ كما حفظه الله -جل وعلا- أو هذا الذكر الذي أراده الله -جل وعلا- ذكرا يبقى إلى يوم الدين، حفظه الله -جل وعلا- فلم ينسخ ولم ينسَ.

ثم قال - جل وعلا-: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى أي: إن الله -جل وعلا- يعلم ما يخفيه العباد، وما يظهرونه، وما يخرج على وجه الأرض، وما يكون في باطنها وما هو في السماء، وما هو في هذا الكون كله: الخافي منه والظاهر، فإن الله -جل وعلا- يعلمه.

ثم قال -جل وعلا-: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى أي: إن الله -جل وعلا- ييسر نبيه -صلى الله عليه وسلم- لليسرى، وهي هذه الملة الحنيفية السمحة التي ليس فيها إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء، بل هي شريعة سمحة مناسبة للعباد في معايشهم ومعادهم، ليس فيها آصار ولا أغلال، بل هي طريقة سهلة ميسرة، قد رفع الله -جل وعلا- فيها الحرج والآصار والأغلال، وهي ميسورة للعباد في فعلها كما أن هذه الطريقة، أو هذه التي يسر الله -جل وعلا- له نبيه -صلى الله عليه وسلم- تيسر العباد إلى الدخول في جنات النعيم، وتسهل عليهم طريق ذلك.

ثم قال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى أمر الله -جل وعلا- نبيه أن يذكر العباد، ثم قال: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى قال بعض العلماء: إن هذه الآية فيها محذوف، وتقديره: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع؛ لأن الله -جل وعلا- أرسل نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليبلغ العالمين جميعا.

قالوا: وذلك جائز في لغة العرب، كما قال الله -جل وعلا- وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وتقدير الآية: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر والبرد؛ لأن القمصان، وهي السرابيل يمتنع بها العباد من الحر والبرد، هكذا قال بعض العلماء.

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: إن هذه الآية تشبه قول الله -جل وعلا-: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا وقوله إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وذلك أن الله -جل وعلا- جعل في هذه الذكرى، ذكرى النبي -صلى الله عليه وسلم- نفعا عاما، ونفعا خاصا، فالنفع العام هو ما يحصل بالذكرى من إقامة الحجة على الكافر، وتبصير المؤمنين، وإظهار هذا الدين، وتبليغ رسالة الله -جل وعلا- التي تبرأ بها ذمة المرسل الذي أرسله الله -جل وعلا- ففي هذا نفع عام.

وهناك نفع خاص، وهو الذي يتذكر به العبد، وينتفع به في خاصة نفسه، فيهديه الله -جل وعلا- لدينه، فالله -جل وعلا- في هذه الآية أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتذكير العام، وتذكير المؤمنين والكفار، فقال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ وأخبر -جل وعلا- أن التذكرة الخاصة هي التي يجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكرها من كان يتذكر، وأما من لم يكن يتذكر، فإنه لا يجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكره هذه الذكرى الخاصة.

كما قال -جل وعلا-: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فالذي يتولى عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الذين لم يستجيبوا للنفع الخاص، ولم يستجيبوا للذكرى التي تتضمن النفع الخاص، وأما عموم الخلق فيذكرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدل هذا قوله -جل وعلا- في هذه الآية، أو بعد هذه الآية: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى أي يتجنب التذكرة الخاصة الأشقى، من كتب الله -جل وعلا- عليه الشقاء، وأما التذكرة العامة قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكرهم، ولا يمكن لهم أن يتجنبوها؛ لأنهم كانوا يسمعونها كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع كثيرة من كتابه.

ثم قال -جل وعلا- وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى يعني: أن من سبق في علم الله -جل وعلا- أنه من أهل الشقاء، فإنه يتجنب هذه الذكرى، فلا يتذكر، وإذا لم يتذكر العبد، فإنه يكون من أهل النار، ويصلى النار الكبرى.

أبوأنس

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 22/05/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى